المقريزي
266
المقفى الكبير
بقيّة ، قال أبو زنبور : أيّها الوزير ، على من أعود ؟ إن كنت عامل أمانة فاقبلوا قولي فيما أقوله . وإن كنت عامل ضمان فاحسبوا [ 435 ب ] بالرفق ! اللّهمّ إلّا أن يكون الذي قلّدني خان في تقليده ؟ فكان يقول : غلطت ببغداد غلطتين نجّى اللّه منهما ، وذلك أنّي كنت في دعوة فقلت : مصر ليس مثلها : أوّل ما يلي الوالي خراجها يدخل إليه من النواحي خمسمائة ماروت « 1 » عليهم جباب الصوف والمناديل المعلّمة - وهو زيّهم - في جيب كلّ واحد منهم كيس فيه ألف دينار هديّة - فحفظ هذا بعض الحاضرين وحكاه ، فكان أحد ما خوطبت عليه ، وقيل لي : نريد هذا لولاية واحدة : خمسمائة ألف دينار . فضحكت وقلت : هذا يحكى قديما في أيّام الفراعنة ، في الوقت الذي كانت مصر تعقد أربعة وعشرين ألف ألف دينار والناس ينصفون ، والمعاملون يوفّى لهم ، والتقوية غير محتسب بها على الزارعين . فأمّا اليوم أو من مائتي سنة فلم يدخل ماروت بدرهم واحد . وأمّا الغلط الثاني ، فإنّ عليّ بن محمد بن الفرات لمّا قبض عليه وتقلّد علي بن عيسى بن الجرّاح قال لي : بحقّي عليك ، هل لابن الفرات عليك استثناء ؟ فقلت : لا . فقال : بحياتي ، بحياة رأسي . فقلت : نعم ، مائة وخمسون ألف دينار في كلّ سنة « 2 » . فلمّا جلس علي بن عيسى لمناظرة ابن الفرات ، قال له : ومن جهة الحسين بن أحمد عامل مصر : مائة وخمسون ألف دينار في كلّ سنة ! فقال ابن الفرات : من ذكر هذا ؟ قالوا : الحسين بن أحمد . فقال : حتّى أسمع كلامه . فأحضرت . واحتشمت من علي بن عيسى ، فقلت : نعم ، مائة وخمسون ألف دينار كنت أحملها إليه أيّده اللّه . فقال ابن الفرات : أحضروا دفاتر النفقات . فأحضرت ، فرآها وقال : صدق فيما قال ، وهذه نفقتها والاحتساب بها لي ما نظرت سنين « 3 » . فإن كان حملها إلى أبي الحسن فيجيب عن هذا ، وإن لم يكن حملها إليه فليطالب بها . فانعكس الكلام على أبي زنبور ، ولولا أنّ علي بن عيسى عمل هذا ، لكان ألزم بالمبلغ . إلّا أنّ الوزير احتاج إلى نصرة أبي زنبور حتى يخلص . [ خلاصه من الوزير ابن الفرات ] ثمّ إنّ أبا زنبور أشخص بحضرة أمير المؤمنين المقتدر باللّه ، فلمّا مثل بين يديه ومعه ابن أخيه أبو بكر محمد بن علي ، قبّلا الأرض ، وكان قد أعيد أبو الحسن علي [ بن محمد ] بن الفرات إلى الوزارة ، وهو واقف ، فقال لهما : إنّ أمير المؤمنين أيّده اللّه تقدّم بالعناية بكما ، وأن تكونا في موضع تأمنان فيه على أنفسكما . فأين تختاران ؟ فقال أبو زنبور : عند أبي أحمد . فقال : من أبو أحمد ؟
--> ( 1 ) ماروت وهاروت ساحران معروفان ، ولعلّها مصطلح مصريّ . ( 2 ) انظر مسكويه : تجارب الأمم 1 / 62 في حوادث سنة 306 . ( 3 ) هذه المحاسبة لا تخلو من غموض .